العيني

136

عمدة القاري

الوجوه الثلاثة وهي الإضافة ومن واللام . قلت : قد يجرد من ذلك كله عند العلم به ، كما في قوله تعالى : * ( يعلم السر وأخفى ) * ( طه : 7 ) أي : أخفى من السر ، وقولك الله أكبر ، أي أكبر من كل شيء ، والتقدير ههنا : أفضل من غيره . ومعنى الأفضل هو الأكثر ثواباً عند الله تعالى ، كما تقول : الصدق أفضل من غيره . أي : هو أكثر ثواباً عند الله تعالى من غيره . قوله : ( من سلم ) إلى آخره . مقول القول . فإن قلت : مقول القول يكون جملة . قلت : هو أيضاً جملة ، لأن تقدير الكلام هو : من سلم ، إلى آخره فالمبتدأ محذوف ، ومن موصولة ، وسلم المسلمون من لسانه ، ويده صلتها ، وفيه العائد . ( بيان المعاني وغيره ) فيه وقوع المبتدأ والخبر معرفتين الدال على الحصر ، وهو على ثلاثة أقسام : عقلي : كالعدد للزوجية والفردية ، ووقوعي : كحصر الكلمة على ثلاثة أقسام ، وجعلي : كحصر الكتاب على مقدمة ومقالات أو كتب أو أبواب وخاتمة ، ويسمى هذا : ادعائياً أيضاً . والحديث من هذا القسم . قوله : ( قال ) فاعله أبو موسى الأشعري ؛ قوله : ( قالوا ) فاعله جماعة معهودون ، ووقع في رواية مسلم والحسن بن سفيان وأبي يعلى في ( مسنديهما ) عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري بإسناده المذكور ، بلفظ : قلنا ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد القباني ، أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى المذكور بلفظ : قلت ، فتعين من هذا أن السائل هو أبو موسى وحده . ومن رواية مسلم أن أبا موسى أحد السائلين ، ولا تنافي بين هذه الروايات ، لأن في رواية البخاري أخبر عن جماعة هو داخل فيهم ، وفي رواية مسلم صرح بأنه أحد الجماعة السائلين . فإن قلت : بين رواية : قالوا ، وبين رواية : قلت ، منافاة . قلت : لا لإمكان التعدد ، فمرة كان السؤال منهم فحكى سؤالهم ، ومرة كان منه فحكى سؤال نفسه ، وقد سأل هذا السؤال أيضاً اثنان من الصحابة ، أحدهما : أبو ذر ، حديثه عند ابن حبان ، والآخر : عمير بن قتادة ، حديثه عند الطبراني . قوله : ( من سلم ) قد ذكرنا أنه جواب . قال الكرماني : فإن قلت : سألوا عن الإسلام أي : الخصلة . فأجاب : بمن سلم أي : ذي الخصلة ، حيث قال : من سلم ، ولم يقل : هو سلامة المسلمين من لسانه ويده ، فكيف يكون الجواب مطابقاً للسؤال ؟ قلت : هو جواب مطابق وزيادة من حيث المعنى ، إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة ، وذلك نحو قوله تعالى : * ( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ) * ( البقرة : 215 ) أو أطلق الإسلام ، وأراد الصفة كما يقال العدل ويراد العادل ، فكأنه قال : أي المسلمين خير ، كما في بعض الروايات : أي المسلمين خير ؟ قلت : هذا التعسف كله لأجل تقديره : أي خصال الإسلام أفضل ؟ ولو قدر بما قدرناه لاستغنى عن هذا السؤال والجواب . فافهم . 6 ( ( باب إطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلاَمِ ) ) الكلام مثل الكلام فيما قبله في الإعراب وتركه ، وفي رواية الأصيلي : من الإيمان ، موضع : من الإسلام ، والتقدير : إطعام الطعام من شعب الإسلام أو الإيمان ، وذلك لأنه لما قال : أولاً باب أمور الإيمان ، وذكر فيه أن الإيمان له شعب ، ذكر عقيبه أبواباً ، كل باب منها يشتمل على شيء من الشعب ، وهذا الباب فيه شعبتان : الأولى : إطعام الطعام والثانية : إقراء السلام مطلقاً . وبقيت المناسبة بين البابين وهي : أن الباب الأول فيه أفضلية من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وقد ذكرنا أن المراد من الأفضلية الخيرية وأكثرية الثواب ، وهذا الباب فيه خيرية من يطعم الطعام ويقرأ السلام ، ولا شك إن المطعم في سلامة من لسان المطعم ويده ، لأنه لم يطعمه إلاَّ عن قصد خير له ، وكذلك المسلم عليه في سلامة من لسان المسلم ويده ؛ لأن معنى : السلام عليك : أنت سالم مني ومن جهتي . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول باب : أي الإسلام خير ، كما قال في الباب الأول أي الإسلام أفضل ؟ قلت : لاختلاف المقام ، لأن أفضليته هناك راجعة إلى الفاعل ، والخيرية ههنا راجعة إلى الفعل ، وهذا وجه . وأحسن من الذي قاله الكرماني ، وهو : إن الجواب ههنا وهو : تطعم الطعام ، صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإطعام من الإسلام ، بخلاف ما تقدم ، إذ ليس صريحاً في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام انتهى . قلت : إذا كان من سلم المسلمون من لسانه ويده أفضل ذوي الإسلام ، فبالضرورة إطعام الطعام يكون بكون السلامة منه من الإسلام ، على أن الكناية أبلغ من التصريح . فافهم . فإن قلت : هل فرق بين : أفضل ، وبين : خير ؟ قلت : لا شك أنهما من باب التفضيل ، لكن أفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة ، والخير يعني النفع في مقابلة الشر ، والأول من الكمية ، والثاني من الكيفية . وتعقبه بعضهم بقوله :